محمد متولي الشعراوي

5840

تفسير الشعراوى

أي : عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل ، ولكن لا تأخذ من هذا القول اسما للّه ، فإياك أن تقول : إن اللّه - سبحانه وتعالى - ماكر ؛ لأن المكر كيد خفىّ تفعله أنت مع مساويك ، ولكنك لن تستطيع ذلك مع من هو مطّلع على كيدك ، ولا تطّلع أنت على ما يشاء لك . وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر ، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات ، وأجهزة الأمن ، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحا بمن يشى منهم بالآخرين ، بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من يكيدون له . وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس والتنصّت « 1 » عليهم ؛ وكل ذلك مكر من البشر للبشر ، فما بالنا إن كاد اللّه لأحد ، وليس هناك أحد مع اللّه - سبحانه وتعالى - ليبلغنا بكيده ، ولا أحد يستطيع أن يتجسّس عليه ؟ ! مكر اللّه سبحانه - إذن - أقوى من أي مكر بشرى ؛ لأن مكر البشر قد يهدم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم ، لكن إذا كاد اللّه لهم ، أيعلمون من كيده شيئا ؟ طبعا لا يعلمون . وكلمة أَسْرَعُ مَكْراً تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق ، وحين تقول : فلان أسرع من فلان ، فمعنى ذلك : أن كلّا منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية ، لكن هناك واحدا أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية . ومكركم البشرى هو أمر حادث ، لكن اللّه - سبحانه - أزلي الوجود ،

--> ( 1 ) التّنصّت : المراد به : التجسس . وأنصت الرجل إنصاتا : استمع باهتمام . قال تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا . . ( 204 ) [ الأعراف ] . [ اللسان : مادة ( نصت ) - بتصرف ] .